|
الكهرباء الساكنة: كيف يحدث البرق طباعة
العلوم - الفيزياء
الكاتب: د. محمد حاج يوسف   
الأربعاء, 21 كانون2/يناير 2009 00:00

إنّ ظاهرة البرق التي نراها عند تراكم الغيوم في فصل الشتاء تعود إلى تراكم الشحنات الكبيرة عليها ومن ثمّ تفريغها بين بعضها البعض أو في ما بينها وبين الأرض مما يؤدي إلى حدوث الصواعق التي كثيراً ما تسببت بحرائق في الأبنية والغابات, وقتل العديد من الأشخاص.

 

 

وتحدث الصواعق عادة على الأبنية المرتفعة والتي تكون أقرب إلى الغيوم المشحونة، ولحماية هذه الأبنية نضع عليها عادة برجاً معدنياً صغيراً موصولاً بالأرض فيقوم بتسريب الشحنات والجهد الكهربائي العالي إلى الأرض.

 

 

تاريخ دراسة ظاهرة البرق

تقول الأساطير الإغريقية القديمة أن البرق كان سلاحاً للإله زيوس وهو يستخدمه لتخويف أعدائه والانتقام منهم وبقي الناس في أوربا حتى عهد قريب يعتقدون بوجود هذا الإله الذي يسمونه "صانع البرق". ولقد ظلَّت ظاهرة البرق مرتبطةً بالخرافات والأساطير لآلاف السنين ولكن أثبتت التجارب أن هنالك عمليات فيزيائية وكيميائية دقيقة تحدث داخل شعاع البرق ويمكن رؤية هذه العمليات اليوم بفضل الكاميرات الرقمية المتطورة. وفي عام 1746 اقترح العالم بنيامين فرانكلين إجراء أول تجربة علمية تثبت حقيقة البرق. فيقول فرانكلين: "لكي نحدّد ما إذا كان البرق عبارة عن كهرباء أم لا، نقوم بالوقوف في غرفة صغيرة على برج عالٍ، ثم نرسل سلكاً من الحديد عالياً في الجو أثناء وجود غيوم كثيفة وممطرة، أي أثناء وجود عاصفة رعدية، إن الكهرباء الموجودة في الغيوم سوف تنتقل عبر القضيب المعدني من نهايته العليا إلى نهايته السفلى، وسوف تنطلق شرارة كهربائية، وينبغي عزل هذا القضيب بالشمع لكي لا تنتقل الكهرباء عبر الجسم وتسبب الأذى." ولقد نفّذ هذا العالم تجربته عام 1752 باستخدام طائرة ورقية واستنتج أن البرق هو عبارة عن شرارة كهربائية نتيجة التقاء شحنتين متعاكستين. بعد ذلك قام الفيزيائي السويدي رتشمان بتطبيق تجربة فرانكلين فأرسل طائرة ورقية عالياً لتلامس الغيوم ولكنه نسي أن يعزل السلك المعدني فتسببت الشرارة الكهربائية القوية بقتله على الفور.

 

معلومات إحصائية

تشير بعض الإحصائيات إلى أنّه في كل ثانية واحدة هنالك مئة ومضة برق في العالم أي أنه في كل يوم هنالك حوالي تسعة ملايين ومضة. وكل ومضة برق تولد توتراً كهربائياً يتراوح بين 100 مليون وحتى 1000 مليون فولت، وكل ومضة برق تنتج تياراً كهربائياً من 10 آلاف أمبير وحتى 200 ألف أمبير. وإذا نظرنا للكرة الأرضية في أية لحظة فإننا نرى فيها 2000 عاصفة رعدية تحدث في اللحظة ذاتها. ويمكن أن تمتد شرارة البرق إلى أكثر من عشرة كيلو مترات أفقياً. وتقول الإحصائيات أيضاً إلى أن البرق قد قتل حوالي أربعة آلاف شخص في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها خلال الخمسين عاماً الأخيرة.

 

 

أنواع الغيوم التي تسبب البرق

إن البرق لا يحدث عادة في جميع أنواع الغيوم بل هنالك غيوم محددة يسمِّيها العلماء بالغيوم الرعدية، والتي تحوي على حقول كهربائية بسبب الرياح الشديدة التي تحمل جزيئات بخار الماء وتدفعها للأعلى وتسبب احتكاك هذه الجزيئات بعضها ببعض مما يولد هذه الحقول الكهربائية. وفي الوقت نفسه تتجمع شحنات سالبة وأخرى موجبة في الغيمة، وغالباً ما ترتفع الشحنات الموجبة للأعلى وتبقى السالبة في أسفل الغيمة من الجهة القريبة من الأرض مما يؤدي إلى تشكل فرق كبير في الجهد الكهربائي بين سطح الأرض والغيوم قد يبلغ 500 ألف فولت. ولكنّ البرق لا ينحصر في العواصف الرعدية فقط، بل تمت مشاهدة بعض أنواع البرق في البراكين وفي العواصف الثلجية الضخمة.



 

تفسير ظاهرة البرق

نعلم اليوم على وجه اليقين أن البرق ظاهرة تنتج عن تراكم الشحنات الكهربائية في الغيوم ثمّ تفريغها نتيجة زيادة التوتر الكهربائي الهائل الذي يتشكل فيما بين الغيوم أو فيما بينها وبين الأرض مما يؤدّي إلى ظهور شعاع البرق الذي ينتج عن مرور تيار كهربائي قد يتعدّى 200 ألف أمبير ويمكن أن تصل درجة الحرارة في مركزه إلى 30 ألف درجة مئوية، أي خمسة أضعاف حرارة سطح الشمس، وكل ذلك يحدث في جزء من المليون من الثانية.

إنّ الكهربائية الساكنة (static electricity) هي عبارة عن تجمع الشحنات الكهربائية في جسم ما مما يُحدث مجالاً أو حقلاً كهربائياً يؤدي إلى جذب الأجسام الخفيفة المجاورة أو ربما تفريغ بعض الشحنات عبر مسافات قصيرة مما يؤدي لحدوث شرارة مثل البرق الذي يحدث أثناء تفريغ الشحنات بين الغيوم أو بينها وبين الأرض.

ويحدث تجمع الشحنات عندما تفقد المادة المتعادلة أو تكتسب شحنات (أي إلكترونات وهي جزيئات سالبة الشحنة) وبالتالي تتحول هذه المادة إلى مادة ذات شحنات موجبة (عندما تفقد) أو سالبة (عندما تكتسب). ويمكن أن يحدث هذا الاكتساب أو الفقدان للشحنات بواسطة الاحتكاك كأن نحكّ قضيباً من البلاستيك بقطعة صوف أو قماش خشن, ففي هذه الحالة تنتقل الإلكترونات من الصوف إلى القضيب ويصبح القضيب مشحوناً سلبياً بعد أن كان معتدل الشحنة، ويصبح الصوف مشحوناً إيجابياً بعد أن كان معتدل الشحنة.

عندما تتراكم كمية كبيرة من الشحنة في جسم ما ينتج عنها حقل كهربائي كبير يؤثر في جميع الأجسام المجاورة، فعندما يقترب من هذا الجسم المشحون جسم آخر معتدل فإنّ هذا الحقل الكهربائي يؤثر على توزع الشحنات في الجسم المعتدل بحيث تنجذب شحنات معاكسة إلى جهة الجسم المشحون فيتشكل فرق كبير بالجهد الكهربائي بينهما وتتجاذب هذه الشحنات المتعاكسة وقد تخترق الهواء وتنتقل من الجسم المشحون إلى الجسم المعتدل وتحدث بينهما شرارة كهربائية, ويمكن ملاحظة هذه الظاهرة يومياً عند خلع الملابس المصنَّعة من النايلون أو البوليستر في غرفة مظلمة فسنلاحظ ظهور شرر وصوت لفرقعات بسيطة وهذا نتيجة لانتقال الشحنات الكهربائية وتفريغها. وكذلك يمكن ملاحظة هذه الظاهرة أثناء التلامس أو المصافحة بين الأشخاص وخاصة بعد المشي على السجاد. وربما تشكل هذه الظاهرة مشكلة كبيرة في المصانع النفطية والغازية مثلاً, لأنّ هذا الشرر الناتج عن تفرّغ الشحنات قد يسبب اشتعال الغازات والأبخرة المتواجدة بالموقع. ولتجاوز هذه المخاطر ينصح بتوصيل الأجسام بالأرض مما يمنع تجمع الشحنات الكبيرة عليها.



 

تجربة بسيطة

خذ قلماً من البلاستيك وحكّه جيّداً بقطعة صوف أو قماش خشن، ثمّ اصنع قصاصات صغيرة جداً من الورق الخفيف وقرّب القلم من هذه القصاصات. سوف تلاحظ أن هذا القلم بعد الحك صار بإمكانه أن يجذب قصاصات الورق الصغيرة عن مسافة عدة سنتيمترات، وذلك لأنّه اكتسب شحنات سلبية وتقريب القلم المشحون سلبياً من القصاصات المعتدلة والتي تحوي عادة على بعض الإلكترونات الحرة التي تتحرك بين الذرات، فيؤدي ذلك لحدوث تنافر بين الشحنة السالبة على القلم وهذه الإلكترونات ذات الشحنة السالبة أيضاً وبالتالي طردها إلى الطرف البعيد عن القلم وتترك مكانها فائضاً من الشحنات الموجبة والتي تتجاذب بدورها مع القلم فيؤدّي ذلك لالتصاق هذه القصاصات به، كما هو موضح بالشكل.


قصاصات الورق تنجذب إلى القضيب الذي تمّ حكّه بقطعة صوف

 

المراجع

1. الكهربائية والمغناطيسية، غازي ياسين القيسي، عمان، الأردن: دار المسيرة، 2004.
2. أساسيات الكهربية والمغناطيسية (Fundamentals of elect. & magnetics)، محمد الدغمة، فرج المزوغي، الكويت؛ العين : مكتبة الفلاح، 2000.
3. أساسيات الفيزياء: ميكانيك، حرارة، موائع، كهرباء، تأليف شاهر ربحي عليان، عمان: دار المسيرة، 2000.
4. الكهربية والمغناطيسية، ذيب محمد غنيم، محمد عمار عبد الكريم، طرابلس، [ليبيا]: جامعة الفاتح، 1993.
5. الموسوعة العلمية، إعداد نوبيليس، قسم الأبحاث ؛ بإشراف سمير عازار، بيروت، لبنان: نوبيليس، 1995.
6. الموسوعة العلمية، ترجمة رضوان عبد السلام ... وآخرون، عمان، الأردن : دار أسامة، 1998.

تاريخ آخر تحديث: الجمعة, 17 أيلول/سبتمبر 2010 22:15